يوسف زيدان
44
إعادة اكتشاف ابن نفيس
فإنّا لله وإنّا إليه راجعون . ثم أتبع فعله هذا بحصار دمشق ، وأذية الرعية ، وجرت بين عسكره وعسكر الناصر وقعات ، وقتل جماعة في غير سبيل الله ، وأحرقت الخانات ، ودام الحصار أشهرا « 1 » . . وهكذا أنعم الملك الكامل بالقدس ! ونقم على أهله ورعيته . . وحاصر دمشق ! ولا شك في أن قرية القرش وبقية القرى المحيطة بدمشق عانت في تلك السنوات أهوالا ؛ فخرج أهلها - ومنهم الشاب علاء الدين القرشي - يلتمسون بلدا آمنا . وعلى ذلك ، فالرجل جاء إلى مصر فارّا لائذا ، وحلّ بها حلول لاجىء . . لا حلول ملك ( كما في عبارة ابن فضل الله ) . ونستدلّ - من طريق آخر - على أن مكانة علاء الدين القرشي ( ابن النفيس ) العلمية ، لم تكن في بداية نزوله مصر ، مكانة مرموقة . . فحتى سنة 646 هجرية ، لم تكن تلك المكانة ترقى به إلى ما يجعل مؤرّخا مثل القفطي ( الوزير جمال الدين أبى الحسن علي بن القاضي الأشرف يوسف القفطي ، المتوفى 646 هجرية ) يهتمّ بذكره ضمن العلماء والحكماء الذين ترجم لهم ! وقد قال القفطي في مقدمة كتابه : إخبار العلماء الذي خلا من ذكر علاء الدين ما نصه : وقد عزمت بتأييد الله ، على ذكر من اشتهر ذكره من الحكماء من كل قبيلة وأمة ، قديمها وحديثها ، إلى زماني « 2 » . ومن ناحية أخرى ، فلا أدرى حقّا ، من أين جاء ابن فضل الله بهذا الكلام العجيب عن نسب ( ابن النفيس ) وحسبه ؟ فالرجل كان ينتمى لأسرة متواضعة تسكن في قرية صغيرة في نواحي الشام ، اسمها القرش . . ولم تورد المصادر التاريخية الخاصة بالقرن السابع الهجري - على كثرتها - أىّ خبر ، عن أي شخص من أسرته ! وقد ظنّ ابن فضل الله أن نسبة القرشي ترجع إلى قريش فراح يقول : هذا إلى حسب غير مرءوس ، ونسب مثل جناح الطاووس ، وشرف قرشي لا يحل معه في بطحائه . . إلخ ! . . ولم يكن الرجل قرشيا ، ولا انتسب إلى البطحاء .
--> ( 1 ) ابن العماد : شذرات الذهب في أخبار من ذهب 5 / 118 . ( 2 ) القفطي : إخبار العلماء بأخبار الحكماء ( دار الآثار ، بيروت ) ص 2 .